طباعة
الزيارات: 8059

مفهـــوم التطــــرف وعلاقتــــه بالإرهــــــــاب

    

الجيلالي بن الطيب

مركز البحث في العلوم الاسلامية والحضارة – الأغواط

مقدمة :

تمثل ظاهرة التطرف وما يرتبط به من عنف وإرهاب وترويع وجريمة منظمة، وما يستتبعه  من خوف ورعب، وقتل وتدمير أصبح أهم سمات العالم المعاصر الذي نعيش فيه، ومن الظواهر التي شغلت الرأي العام في الآونة الأخيرة ، وكثر حولها الجدل من قبل الكثير من العلماء والمفكرين، حيث أصبحت هذه الكلمة مصطلحا شائعا على ألسنة الناس وفي وسائل الإعلام.

ويتحدث معظم مفكري الغرب عن  ظاهرة التطرف والإرهاب وكأنها ظاهرة جديدة أبصرت النور في الستينات من القرن الماضي ، وقبل هذا التاريخ كانت المجتمعات البشرية كافة تعيش في سلام ووئام، علاقاتها لا تقوم إلا على حسن الجوار وعلى احترام سيادة الدول وحقوقها وسلامة أراضيها، إلا أن هذه الظاهرة عرفتها المجتمعات البشرية قديما باعتبارها أحد أساليب العنف السياسي، لكن من يستعرض ما سرده المؤرخون حول تلك الظاهرة يؤكدون على أن بدايتها كانت من صنع اليهود الذين ناهضوا الحكم الروماني في القدس خلال الثلث الأول من القرن السابق على ميلاد السيد المسيح   (عليه السلام) عندما ظهرت خلال الفترة ما بين عامي (73 ، 66 قبل الميلاد) حركة دينية سياسية أطلق عليها اسم (حركة سيكارى) كان أعضائها من المتطرفين اليهود يتبعون أساليب غير تقليدية في مهاجمة الرومان ، وقد نجحوا في اغتيال قادتهم وهدموا قصورهم وأحرقوا الوثائق والمكاتب العامة ، وهاجموا مصادر المياه في القدس.

وقد وضعت الشريعة الإسلامية منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا أول تشريع قانوني متكامل يصور التطرف وما يتبعه من جرائم إرهابية ، ويضع لها شروطها وأركانها بما يكاد يتفق مع الاتجاه الحديث نحو تعريفها، حيث حددت صورتين من صور الخروج على السلطة السياسية والنظام الاجتماعي في الدولة، وهما جريمتي البغي والحرابة.

ولاشك أن التطرف والعدوان سلوك يظهر في سلوكيات كثير من البشر، ويرجع إلى عدة عوامل ودوافع تحركه ، ومن الأهمية بمكان أن نستعرض تلك العوامل والدوافع التي تؤدي إلى التطرف والعنف والإرهاب، وأن نشير في هذا الموضع إلى الارتباط الوثيق بين التطرف والإرهاب، إذ أنهما حلقتان متصلتان ، فالتطرف هو الذي يدفع صاحبه لارتكاب العامل الإرهابي ، وقد قال علماء التربية أن كل عمل لابد أن تسبقه خطوات [العلم به، الاقتناع به] ، ثم توجه الإرادة لتنفيذه ، فالسلوك بغير واقع من رأي وعقيد تخبط ، ومن هنا تأتي أهمية التعرض لمعنى التطرف ودوافعه ، و مدلول كملة إرهاب وحدود العلاقة بينهما، وهذا ما سنذكره من خلال بحثنا هذا إن شاء الله وفق الإشكاليات الآتية وهي :

ما هو مفهوم التطرف والدوافع المؤدية إليه؟ وما معنى كلمة إرهاب ومدلولها وحدود العلاقة بينهما؟ وطرق العلاج التي تحد من هذه الظاهرة ، وموقف الشريعة الإسلامية من ذلك؟

     

المبحث الأول : مفهوم التطرف ودوافعه

المطلب الأول : مفهوم التطرف

التطرف في اللغة : معناه الوقوف في الطرف بعيدا عن الوسط أو الأخذ بأحد الطرفين والميل إليه، إما للطرف الأدنى أو إلى الطرف الأقصى1، قال الشاعر:

فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد *** كلا طرفي قصد الأمر ذميم

ويقال طرفا الدابة أي مقدمها أو مؤخرها2.

وأصله في الحسيات كالتطرف في الوقوف أو الجلوس أو السير، ثم انتقل إلى المعنويات كالتطرف في الدين أو الفكر أو السلوك3، أو هو الناصية ومنتهى كل شيء ، قال الشاعر :

كانت هي الوسط المحمى فاكتفت *** بها الحوادث حتى أصبحت طرفا

وتطرّف تعني أتى الطرف وجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط ، إذا فهو يقابل التوسط و الاعتدال4.

    

التطرف في الاصطلاح : يعني الغلو ومجاوزة الحد المقبول والتعصب لعقيدة أو فكرة أو مذهب يختص به دين، أو جماعة، أو حزب، فيوصف بالتطرف الديني والحركي والسياسي5، وينتظم في سلك التطرف التشدد والغلو والتنطع والإفراط والتفريط على حد سواء، فهو على هذا يصدق على التسبيب كما يصدق على المغالاة لأن في ذلك كله جنوحا إلى الطرف، وبعدا عن الجادة والوسطية6 التي هي سمة من سمات هذا الدين، ومبدأ من مبادئه الأساسية الثابتة ، وميزة من ميزات هذه الأمة.

والتطرف ظاهرة مرضية تؤشر على وجود خلل ما في النفس الإنسانية أو في الظروف المحيطة بها، فالنفس الإنسانية السوية بطبيعتها ترفض التطرف والتعصب والجمود ، لأن الفطرة السليمة تأبى ذلك وتنفر منه7.

ومن الناحية الاجتماعية : فالتطرف لفظ معاري يعني مخالفة الخط العام أو السوي، والذي تحدده التقاليد والأعراف والمعايير القانونية والدينية السائدة في المجتمع ، الأمر الذي يجعل مفهومه محل اختلاف بين المجتمعات، فالبيئة المرنة قد ترى المشروعية في تصرفات معينة بينما المتشددة تراها عكس ذلك.

من الناحية القانونية : يعني الخروج أو الانحراف عن الضوابط الاجتماعية أو القانونية التي تحكم سلوك الأفراد في المجتمع، وهذا الخروج بتفاوت بين فعل يستنكره المجتمع إلى فعل يشكل جريمة تقع تحت طائلة القانون.

كما أن له عدة تعريفات من الناحية الدينية نشير لبعضها فيما يلي :

والمتطرف في الإسلام : كل من تجاوز حدود الشرع وأحكامه وآدابه وهديه ، فخرج عن الاعتدال ورأي الجماعة إلى ما يعد شاذا شرعا وعرفا9.

ومن مظاهر التطرف (التعصب للرأي ، إلزام المسلمين بما لم يفرض عليهم، عدم الاعتراف بالرأي الآخر، التشديد في غير محله، الغلظة و الخشونة، سوء الظن بالناس، عدم التسامح، النظرة التآمرية العدوانية ، المثالية).

والتطرف بمختلف أشكاله مرفوض وممقوت ، سواء كان فكريا أو سلوكيا.

     

المطلب الثاني: دوافعه

 إن أسباب التطرف بجميع أشكاله تختلف باختلاف المجتمعات تبعا لاتجاهاتها السياسية وظروفها الاقتصادية والاجتماعية، وأحوال شعوبها الدينية، وفيما يلي سنعرض أهم أسباب هذه الظاهرة بمختلف أبعادها الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وحتى السلوكية من خلال العناصر التالية11:

  1. الجهل بالإسلام: وهو من الأسباب الأساسية للتطرف الفكري، والضياع الثقافي عند المسلمين، وينتج عن هذا الجهل العام بالإسلام فقدان الحاجة الفكرية والعملية التي يمكن من خلالها معالجة المشاكل والقضايا الحضارية المستجدة في عالم الإنسان.

وما يعانيه العالم الإسلامي اليوم من انقسامات فكرية حادة بين تيارات مختلفة وما ترتب عنه من مشكلات وصراعات خطيرة، مرجعه إلى الجهل بالدين ، والبعد عن التمسك بتوجيهات الإسلام12.

  1. تشويه صورة الإسلام، وعدم الاهتمام الكافي بإبراز محاسنه وأخلاقه؛ فالدين الإسلامي هو دين العدالة والكرامة والسماحة والحكمة والوسطية، وهو دين رعاية المصالح ودرئ المفاسد، وإن أفعال بعض الناس المنتسبين إلى الدين تنسب عادة إلى الدين ذاته، فإذا غلا امرؤ في دينه فشدد على نفسه وعلى الناس، وجار في الحكم على الخلق، نسب ذلك إلى دينه ، فصار فعله ذريعة للقدح في الدين ، فلابد من إظهار محاسن وأخلاقيات هذا الدين للقضاء على هذه الانحرافات الفكرية الخطيرة وتقويم سلوك الإنسان وفق مبادئ وتعاليم هذا الدين الحنيف13.
  2. نقص الثقافة الدينية في المناهج التعليمية من الابتدائي ، وحتى الجامعة في معظم البلاد الإسلامية.
  3. سوء الفهم والتفسير الخاطئ لأمور الشرع ، والافتقار إلى وجود مرجعيات دينية موثوقة14.
  4. الفراغ الفكري والتوقف عن الإبداع والإنتاج، وهو الذي يسد الحاجات المعاصرة للفكر الإنساني، وعدم الاهتمام بشؤون الثقافة والمعرفة، وصد التيارات الفكرية المادية التي غزت البلاد الإسلامية، وعدم تطوير للدراسات الفقهية والأصولية، والإبقاء على شكلها التقليدي دون أن ينظر في دراستها وتدريسها وبحوثها وموضوعاتها إلى ما يستجد من حاجات جديدة للفكر والثقافة والحياة العلمية15.
  5. ضآلة الاهتمام بالتفكير الناقد والحوار البنّاء من قبل المربين و المؤسسات التربوية والإعلامية16.
  6. فراغ الشباب وصعوبة المعيشة، وهذا يجعلهم يكرهون المجتمع ويحاولون أن يضروه بأي وسيلة ، وذلك لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها ، وكره من أساء إليها17.
  7. ضعف تعلق الشباب بأوطانهم، وعدم تكوين روح تتعلق بالمجتمع الإسلامي، والأمة الإسلامية18.
  8. التقلبات الاقتصادية والأزمات المالية، وما يلحقها من تغيرات مؤثرة في المجتمعات الفقيرة من الأسباب الخطيرة المحركة لموجات الانحراف الفكري19.
  9. عدم وجود متابعة من مؤسسات الدولة المسؤولة على هذه الظاهرة ، فتولد مثل هذه الظواهر في المجتمعات لم يحدث بين يوم وليلة ، بل كان نتيجة تراكمات تكونت في فترات زمنية متباعدة.

وإن ما نعانيه وللأسف في المجتمعات الإسلامية هو وضع السبل الكفيلة بالقضاء على أي مشكلة لا يكون إلا بعد وقوعها وبعد استشرائها ، لذلك كان ولابد أن تسعى هاته المجتمعات وخاصة المسلمة منها إلى متابعة هذا الشيء من البداية حتى يسهل التعامل معه بشكل سليم20.

  1. التناقض الفاضح بين ما تحض عليه مواثيق النظم السياسية لبعض الدول من مبادئ ، وما تدعوا إليه من قيم إنسانية ومثاليات سياسية رفيعة، وبين ما تنم عنه سلوكاتها الفعلية والتي ترقى بها إلى مستوى التنكر العام لكل تلك القيم والمثاليات21.
  2. التفكك الأسري والاجتماعي: وهذا حال تشهده عديد من البلاد الأجنبية وعدد من البلاد العربية، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض النفسية، وارتفاع نسبة المجرمين والمنحرفين والشواذ22.

     

المبحث الثاني : مفهوم الإرهاب وعلاقته بالتطرف

المطلب الأول: مفهوم الإرهاب

إن تعريف الإرهاب تعريفا دقيقا مسألة معقدة لاختلاف وجهات النظر حول ماهيته، وعدم الاتفاق على رأي واحد للوصول إلى تعريف موحد له، وكلمة (إرهاب) أصبحت تطلق على كل عمل مصحوب بالعنف والقوة والتهديد بها، سواء قام بهذا العمل أفراد أم جماعات أم دول، وبالرغم من الصعوبات التي تعترض إيجاد تعريف موحد له، إلا هناك بعض المحاولات الفقهية التي جرت للوصول إلى تعريف له حتى لو لم يكن هذا التعريف متفقا عليه بين الجميع23.

وسنتناول هذا الموضوع  مبتدئا بتعريف الإرهاب لغويا ، ثم التعريف في القرآن والسنة النبوية ثم التعريف القانوني، يليه التعريف في الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

              

الفرع الأول : تعريف الإرهاب في اللغة

الإرهاب كما أقر مجمع اللغة العربية – كلمة مشتقة من الفعل (رهب) بمعنى خاف، وكلمة إرهاب مصدر الفعل (أرهب)، وأرهبه بمعنى خوّفه، واسترهبه أخافه و(ترهبه) بمعنى توعده، والمرهوب الأسد24.

وجاء في أساس البلاغة قوله (وهو رجل مرهوب عدوه منه مرهوب... يقشعر الإهاب إذا وقع منه الإرهاب) 25.

وفي المعجم لابن فارس (رهب، الراء والهاء والباء أصلان: أحدهما يدل على الخوف، والآخر يدل على دقة وخفة، فالأول الرهبة ، تقول: رهبت الشيء رُهْبًا، ورهبةً، ومن الباب الإرهاب، وهو قدْعُ الإبل من الحوض، وذيادها، والأصل الآخر الرَّهَبُ، الناقة المهزولة26.

جاء في لسان العرب : رَهِبَ بمعنى خاف ، والاسم الرّهَبُ بمعنى الرهبة ، وتقول رهبت الشيء أي خفته ، وقيل الرهبة هي الخوف والفزع والخشية، وقيل الرهبة27 مخافة مع تحرز واضطراب 28.

وقد خلت المعاجم العربية القديمة من كلمات الإرهاب والإرهابي، لأن تلك الكلمات حديثة الاستعمال، ولم تكن شائعة في الأزمنة القديمة ، وأوردت المعاجم اللغوية المعاصرة معنى لغويا للإرهاب في مفهومه الحديث، حيث أوضحت أن الإرهابي هو من يلجأ إلى الإرهاب لإقامة سلطته ، كما أن الحكم لإرهابي يقوم على الإرهاب والعنف الذي تعمد إليه بعض  الحكومات أو الجماعات الثورية29.

كما جاء في المعجم الوسيط الإرهابيون ( وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسة.

والإرهابي في في الرائد " رعب تحدثه أعمال عنف كالقتل وإلقاء المتفجرات أو التخريب " والإرهابي " من يلجأ إلى الإرهاب بالقتل أو إلقاء المتفجرات أو التخريب لإقامة سلطة أو تفويض سلطة أخرى ، والحكم الإرهابي: " نوع من الحكم الاستبدادي يقوم على سياسة التعامل مع الشعب بالشدة والعنف بغية القضاء على النزاعات والحركات التحررية والاستقلالية30.

وفي المنجد كلمة الإرهابي تدل على كل من يلجـأ إلى الإرهاب لإقامة سلطته ) 31.

وإلى جانب المعاجم اللغوية العامة هناك معاجم متخصصة ، تجد أن من المهم أن تبرز الدلالة الاصطلاحية لهذه الألفاظ

ففي معجم العلوم الاجتماعية "الإرهاب terrorisme" إحداث الخوف والرعب " وهو قانوني، حين يقرن بالحكم فيقال "حكم الإرهاب" بمعنى استناد ذلك الحكم إلى وسائل قاسية تكفل بث الرعب في نفوس المحكومين.

وورد في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية أن الإرهاب يعني " بث الرعب الذي يثير الخوف والفزع، أي الطريقة التي تحاول بها جماعة منظمة أو حزب أن يحقق أهدافه عن طريق استخدام العنف ، وتوجيه الأعمال الإرهابية ضد الأشخاص سواء كانوا أفراد أو ممثلين للسلطة ممن يعارضون أهداف الجماعة ، كما يعتبر هدم العقارات وإتلاف المحاصيل في بعض الأحوال شكل من أشكال النشاط الإرهابي .

ومن خلال ما ذكر فإنه يتضح أن لفظ الإرهاب في معناه العام يعطي معنى الخوف و الرعب والفزع ، وأن الأعمال الإرهابية يكون من نتائجها إحداث حالات من الخوف والرعب والفزع.

               

الفرع الثاني : تعريف الإرهاب في القرآن والسنة النبوية

 وردت كلمة (رهب) ومشتقاتها في القرآن الكريم الدالة على معنى الخوف والفزع والخشية إحدى عشرة مرة ، وينقسم الإرهاب المذكور في هذه الآيات إلى قسمين :

 1.إرهاب طبيعي ": وهو الخوف المودع  في النفس البشرية كما في قوله تعالى : (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) القصص 32 ،أي من الفزع والرعب والخوف ، فأُمر عليه السلام إذا خاف من شيء أن يضم يده ليزول عنه ما يجده من الخوف ، وقوله تعالى : (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوَهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) الأعراف 115-116، أي خافوا من العصى والحبال ظنا منهم أنها حيات نتيجة السحر34.

2.إرهاب واجب وهو نوعان :

ومن  ثم فالإرهاب بهذا المعنى يكون إرهابا محمودا ، وهناك الإرهاب المذموم الذي عرفه المجتمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي : "بأنه العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان ودينه ودمه وعقله وماله وعرضه ، ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق ، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد به، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ، ويهدف إلى إلقاء الرعب بينهم أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض  حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم وأحوالهم للخطر ، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق و الأملاك العامة أو الخاصة ، أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر"35.

               

الفرع الثالث : تعريف الإرهاب في القانون

لاشك أنه لا يوجد للإرهاب تعريف واحد متفق عليه بين المتخصصين من الناحية الاصطلاحية لاختلاف الآراء والاتجاهات بين من تناولوا هذا الموضوع من جهة ، واختلاف مواقف الدول من جهة ثانية ، حيث ما يعتبره البعض إرهابا ينظر إليه البعض الآخر على أنه عمل مشروع

ومفهوم الإرهاب مفهوم متغير، وتختلف صوره وأشكاله وأنماطه ودوافعه اختلافا زمنيا ومكانيا، كما يتباين النظر إليه بتباين الثقافات القائمة في المجتمعات المعاصرة36.

وقد وردت عدة تعاريف للإرهاب منها :

فمنهم من قال : " أنه القتل والاغتيال والتخريب والتدمير ونشر الشائعات والتهديد ، وصنف الابتزاز والاعتداء ، وأي نوع يهدف إلى خدمة أغراض سياسية واستراتيجية، أو أي أنشطة أخرى تهدف إلى إشاعة عدم الاستقرار والضغوط المتنوعة.

وعرف الأستاذ سرحان الإرهاب بأنه : "كل اعتداء على الأرواح والممتلكات العامة أو الخاصة بالمخالفة لأحكام القانون الدولي بمصادره المختلفة ، وهو بذلك يمكن النظر إليه على أساس أنه جريمة دولية أساسها مخالفة القانون الدولي  ، ويعد الفعل إرهابا دوليا، وبالتالي جريمة دولية سواء قام به فرد أو جماعة أو دولة ، كما يشمل أعمال التفرقة العنصرية التي تباشرها بعض الدول"37.

وعرفه الأستاذ عبيد بأنه : "الأفعال الإجرامية الموجهة ضد الدولة والتي يتمثل غرضها أو طبيعتها في إشاعة الرعب لدى شخصيات معينة أو جماعات من الأشخاص أو عامة الشعب ، وتتسم الأعمال الإرهابية بالتخويف المقترن بالعنف مثل أعمال التفجير وتدمير المنشآت العامة وتحطيم السكك الحديدية والقناطر وتسميم مياه الشرب ونشر الأمراض المعدية والقتل الجماعي"38.

أما قانون العقوبات المصري في تعديلاته الجديدة جاء في نص المادة 86 منه : "يقصد بالعمل الإرهابي كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع بهدف الإخلال بالنظام العام أوتعريض سلامة المجتمع أومصالحه أو أمنه للخطر، أو إيذاء الأفراد أو إلقاء العرب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم أو أمنهم للخطر أو الإضرار بالوحدة الوطنية ، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو الموارد الطبيعية أو بالآثار أو بالأموال أو المباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو منع أو عرقلة السلطات العامة أو الجهات أو الهيئات القضائية أو مصالح الحكومة أو الوحدات المحلية أو دور العبادة  أو المستشفيات أو مؤسسات معاهد العلم أو البعثات الدبلوماسية أو القنصلية أو المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية في مصر من القيام بعملها أو ممارستها لكل أو بعض أوجه نشاطها أو مقاومتها أو تعطيل تطبيق أي من أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح ، وكذلك كل سلوك يرتكب بقصد تحقيق أحد الأغراض المبينة في الفقرة السابقة، أو الإعداد لها أو التحريض عليها إذا كان من شأنه الإضرار بالاتصالات أو بالنظم المعلوماتية أو بالنظم المالية أو البنكية أو بالاقتصاد الوطني ، أو بمخزون الطاقة أو بالمخزون الأمني للسلع والمواد الغذائية والمياه وسلامتها ، أو بالخدمات الطبية في الكوارث والأزمات ، ويقصد بتمويل الإرهاب كل إتاحة أو جمع أو تلقي أو حيازة أو إمداد بشكل مباشر أو غير مباشر ، أو بأي وسيلة لأموال أو أماكن أو أسلحة أو ذخائر أو مفرقعات أو مهمات أو آلات أو بيانات أو معلومات أو مواد أو غيرها بقصد استخدامها كلها أو بعضها في ارتكاب أي جريمة إرهاب من قبل فرد ، أو من قبل جماعة إرهابية.

أما في قانون العقوبات الجزائري في مادته 87 مكرر (معدلة) فيما يخص الجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية ، بحيث يعتبر فعلا إرهابيا أو تخريبا في مفهوم هذا الأمر ، كل فعل يستهدف أمن الدولة والوحدة الوطنية والسلامة الترابية واستقرار المؤسسات وسيرها العادي عن طريق أي عمل غرضه ما يأتي :

أما في القانون الأمريكي : تعددت التعريفات المعتمدة للإرهاب في القانون الأمريكي، ولكنها لا تخرج عن المفهوم العام للإرهاب من وجهة نظر لإدارة الأمريكية ، فالإرهاب في القانون الأمريكي هو : " الاستخدام غير  القانوني للقوة والعنف ضد البشر أو ممتلكاتهم بغرض إجبار الحكومة أو المجتمع على تحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية معينة39.

                 

الفرع الرابع : تعريف الإرهاب في الاتفاقيات والمواثيق الدولية

إن تعريف الإرهاب في إطار الاتفاقيات والمواثيق الدولية له أهمية كبيرة ، حيث إن تعريف وتحديد الأفعال والأعمال الداخلة في نطاق الإرهاب تعتبر بداية الجهود الدولية لمكافحته من خلال أرضية مشتركة متفق عليها بين الدول.

وفيما يلي بعض الجهود الدولية التي بذلت في هذا المجال، والتي عرفت الإرهاب وأعماله.

عرفت اتفاقية عصبة الأمم عام 1937 في المادة الأولى منها الأعمال الإرهابية بأنها : "أفعال إجرامية موجهة ضد دولة من الدول ، ويقصد بها أو يراد  منها خلق حالة من الرهبة في  أذهان أشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو الجمهور العام".

كما حددت المادة الأولى من اتفاقية لاهاي 1970 العناصر المكونة لجريمة الإرهاب اختطاف الطائرات ، واعتبرت أي شخص يقوم بطريقة غير مشروعة مرتكبا لهذه الجريمة إرهابيا، سواء كان ذلك عن طريق العنف أو التهديد به ، واستولى على الطائرة أو سيطرة عليها أو شرع في ارتكاب أي من هذه الأفعال أو اشترك مع أي شخص يقوم أو يشرع في ذلك41.

وعرفت المادة الأولى من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الصادرة عن الاجتماع المشترك لمجلس الداخلية ووزراء العدل العرب المنعقد في القاهرة عام 1998 الإرهاب تعريفا صريحا بأنه : كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ، ويهدف إلى إلقاء العرب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة ، أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر42.

مما سبق يتضح أن جميع التعريفات اللغوية والشرعية والقانونية اتفقت في العناصر الأساسية للجريمة الإرهابية وركزتها في استخدام القوة أو العنف أو التهديد، وتوجيه هذه القوة نحو الأشخاص كقتلهم أو إيذائهم أو إتلاف الممتلكات بتخريبها وتدميرها، سواء كانت ممتلكات خاصة أو عامة ، أو التهديد بإخلال الأمن وإحداث نوع من الفوضى ، وتعريض أرواح الناس وممتلكاتهم للخطر أو استخدام القوة والعنف من أجل إحداث الفزع والخوف للوصول إلى هدف مهما كان هذا الهدف.

     

المطلب الثاني: علاقته بالتطرف

إن التفريق بين الإرهاب والتطرف هو مسألة جد شائكة، وذلك لشيوع التطرف والإرهاب كوجهين لعملة واحدة ، ومع ذلك فالتفرقة ضرورية ، ويمكن رسم أوجه الاختلاف بينهما من خلال النقاط التالية :

إذن من خلال التمييزات بين الإرهاب والتطرف تطرح الإشكالات الآتية :

إن محاولة استقراء الإشكالات السالفة الذكر والنظر فيها يبين لنا بجلاء أن التطرف يمكن أن يكون أحد أسباب الإرهاب وليس هو الإرهاب نفسه.

      

المبحث الثالث : طرق العلاج وموقف الإسلام من التطرف والإرهاب

المطلب الأول : طرق العلاج

إن دراستنا لأي مشكلة تواجهنا إنما يكون من أجل وضع الحلول المناسبة لمواجهتها ، ولا شك أن مشكلة التطرف الفكري مرض عقلي تعاني منه بعض فئات المجتمع ، وكل مرض لابد له بعد تشخصيه من البحث عن وسائل مكافحته ، فلكل داء دواء ، والفكر المتطرف في حاجة إلى علاج فكري يواجهه ويوضح أخطاءه وانحرافه عن صراط الله المستقيم ، ويكون علاجه بتكاتف جهود أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع ، وبتعاون الأفراد والأسر وذلك من خلال :

      

المطلب الثاني : موقف الإسلام من التطرف والإرهاب

الإسلام لا يعرف التعصب ولا العنف ولا التطرف ولا الإرهاب ، ومن ذلك لا يدعوا أتباعه إلى التطرف والعنف ، ومصادر الإسلام من كتاب وسنة لا تشمل على شيء من هذا القبيل، فالإسلام صان حرمة النفس البشرية ، وحمى حقوق الإنسان دمه وعرضه وماله، والإسلام يقرر لأتباعه أنه دين يسر لا عسر، والدعوى للإسلام كما يشير القرآن تقوم على أساس من الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى، وكل هذه الأساليب بعيدة تماما عن العنف أو أي شكل من أشكال التعصب ، من خلال هذا التوجه الحكم يرفض الإسلام نزعة التطرف أو الغلو أو الإرهاب، الذي ينشر الخوف والذعر ويشيع القلق بسبب بعض الحوادث الإرهابية على بعض الأشخاص الأبرياء أو الآمنين، أو الممتلكات أو المؤسسات الصناعية أو التجارية أو الزراعية، ويمقت أيضا كل أوضاع التخريب أو التدمير أو الإساءة بغير حق للأشخاص مسلمين أو غير مسلمين ، لأن الإسلام دعوة حضارية إنسانية خالدة وحكيمة ، لا تنتشر في أنحاء الأرض إلا في ظل قاعدة راسخة من الأمن والسلام والاستقرار، واحترام لحقوق الإنسان وبأسلوب منطقي حضاري يخاطب الوجدان و العقل، ويرعى العلم وأهله ، ويحرك نزعات النفس الفطرية للإيمان بالله تعالى وبرسله وبما أنزل عليه من وحي ثابت إلى اليوم.

والإسلام لا يفرق في دعوته بين إصلاح العقيدة وتصحيح العبادة والتزام الأخلاق الفاضلة القائمة على الأمر  بالمعروف والإصلاح والنهي عن المنكر والفساد ، ودعوة الإسلام للسلام وقمع التطرف والإرهاب واضحة المعالم لكل إنسان من خلال نصوص شرعية  كثيرة ، ويتبين من هذا أن الإسلام يدين التطرف والإرهاب، وقد أصدر الفقهاء وعلماء الدول الإسلامية في مجمع الفقه الإسلامي الدولي بيانا واضحا حول هذا الموضوع في دورته الثالثة عشر المنعقدة في دولة الكويت في سبتمبر عام 1422 هـ -2001 جاء فيه في الفقرة الثالثة / تحريم العدوان في الإسلام : " إن الإسلام يحرم الاعتداء بغير حق ، ومن ذلك ترويع قلوب الأبرياء الآمنين ، ممن عصمت دماؤهم ، فأي عدوان من هذا النوع هو إرهاب محرم"49.

     

الخاتمة :

إن معالجة أي ظاهرة من الظواهر لا يمكن إلا بمعرفة أسباب نشأتها، فإذا تبين أن التطرف والغلو والإرهاب سببه إما الجهل بأحكام الله ، وإما اتباع الهوى ، وإما الانحراف من خلال الحريات المفتوحة في المجتمع أو الإفساد الإعلامي ، وإما بسبب الظلم والتعسف الأمني في استخدام السلطة، وإما بإغلاق قنوات الحوار وإلغاء الآخر، ومصادرة حقه في الحياة والعيش والمشاركة، وإما بسبب الفقر والحاجة والبطالة والفراغ الروحي عند كثير من فئات المجتمع ، خاصة الشباب منهم ، مما يدفع إلى التفكير في الانتقام والجنوح إلى التطرف.

إذا علمنا أسباب التطرف والغلو سهل علينا وضع الحلول و الدراسات لمعالجة هذه الظواهر التي هي في كثير منها وليدة واقع مرير كبر مع الأيام وتراكم عبر المواقف.

ويبقى في هذا السياق أن نشير إلى أنه بالرغم مما يبذل من جهود في كافة الاتجاهات لمواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب ، فإن هذا لن يؤدي لزوالها بالكلية، فهي باقية بقاء المجتمعات البشرية، صحيح أن هذه الجهود تحبوا أحيانا وتنزوي و تتفاقم أحيانا أخرى وتربوا ، لكنها لا تنتهي لا سيما بعد أن أخذت أبعادا دولية ، ويصعب على المجتمعات المحلية وأنظمتها الحاكمة فك تعقيداتها والقضاء عليها تماما ، ومن الواجب تظافر الجهود وتعاون كافة المؤسسة المجتمع المدني القيام بالدور الوقائي وتأهبها لمواجهة ما تمليه هذه الظواهر الخطيرة من تداعيات محتملة.

      

قائمة المراجع :